تخطى إلى المحتوى

بعد ست سنوات و نصف على اختفائه.. “زمان الوصل” تميط اللثام عن مصير الابن الأكبر ل “بعبع سوريا”

٢٠١٨١٠٢٤ ١٠٢٥٢٦

كشفت مصادر وثيقة الاطلاع لـ”زمان الوصل” عن لغز اختفاء الابن الأكبر لواحد من أقوى ضباط النظام وأشرسهم على مدار عقود، وهو الاختفاء الذي مضى عليه نحو 6 سنوات ونصف دون أن يفصح أحد عن حقيقته.

وقالت المصادر إن “محدد دوبا” الابن الأكبر لـ”العماد علي دوبا” محتجز لدى النظام نفسه وبأوامر من رأس هرم السلطة في سوريا، وذلك منذ حادثة “خطفه” الغامضة مطلع شهر أيار/مايو 2012 من وسط اللاذقية.

وأفادت المصادر بأن “علي دوبا” الذي كان في يوم من الأيام “بعبع سوريا” لشدة بطشه وتسلطه وصلاحياته شبه المطلقة.. لم يستطع طوال السنوات الماضية فعل شيء لإنهاء احتجاز ابنه لدى النظام الذي خدمه “علي دوبا”، وخدم حافظ الأسد تحديدا لمدة ناهزت 40 عاما.
ورأت المصادر أن احتجاز الابن الأكبر والذراع الأيمن لضابط بوزن علي دوبا، يكشف بوضوح عن طبيعة النظام الحاكم، الذي كلما ضاقت زاوية النظر إليه ظهر جوهره الحقيقي.

فعموم السوريين ينظرون إلى نظام الأسد بوصفه حكما باسم الطائفة ولمصلحتها، فإذا ضيقنا الإطار وقصرناه على العلويين فسنجدهم ينظرون إلى المسألة باعتبارها حكما باسم العائلة، والطائفة ليست سوى واجهة وأداة، فإذا انتقلنا إلى إطار العائلة (عائلة الأسد) فسنجدهم يدركون حتما أن الأمر مرتبط بحكم أسرة محددة من العائلة الكبيرة، ونقصد بها أسرة حافظ الأسد وأولاده.

• كلما ضاقت زاوية النظر إلى النظام الحاكم، اتضحت حقيقته التي ترسخها حادثة “الاختطاف”

وقالت المصادر إن على من يستصعب تصديق اعتقال النظام لابن “علي دوبا ” كل هذا السنوات، أن يتذكر أن بشار سبق أن اعتقل “محمد دوبا” حينما كان أبوه “علي” في قوته، وحينها أراد بشار بأوامر من حافظ أن يودع رسالة بسيطة وصغيرة جدا في صندوق “علي دوبا”، الذي كان ينتظر موت حافظ ليقتنص كرسيه.. فهذه ليست المرة الأولى التي يعتقل فيها نظام الأسد “محمد دوبا”، ولكنها بلا شك المرة الأطول والأعقد.

وبغض النظر عن قصة “محمد دوبا”، فإن تاريخ حكم الأسد حافل بحوادث تخص تصفية وتحجيم أناس، كان يُظن أنهم محصنون على مستوى الطائفة والنفوذ والخدمات وحتى الصلات العائلية، ثم صاروا نسيا منسيا، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر غازي كنعان.
أما صراعات وصدامات حافظ الأسد وأولاده مع “رفعت الأسد”، ومع صهر العائلة الأوحد “آصف شوكت”، فإن قصصها كثيرة ومتواترة، ولا تدع مجالا للشك أن السلطة المطلقة لاتقبل القسمة أبدا، ومن هنا فإن أي “شيء” يعترض سبيل هذه السلطة يُزال بلاد تردد أو تلكؤ، مهما كان حجم “الفراغ” الناجم عن هذه الإزالة، أو كانت عواقبها المنتظرة كبيرة.

وختمت المصادر قائلة إن “التزام” حافظ الأسد الصارم والحاسم، ومن بعد أولاده، بهذه القاعدة (السلطة لاتقبل القسمة أبدا)، شكل عاملا حاسما في احتفاظهم بالسلطة، وجعلها حكرا عليهم فقط طوال عقود، وقد أظهروا “براعة” فائقة في تنضيب أي مراكز للقوى وقطف أي رأس تحاول لمس “السقف العالي”.

*كالمزارع في مزرعته
عندما يذكر السوريون اسم “علي دوبا” فإنهم يذكرون تاريخا من الرعب والتغول والفساد يفوق على أقل تقدير ربع قرن، هي المدة التي قضاها الرجل ملكا متوجا وأوحدا على رأس جهاز المخابرات العسكرية، بانيا خلالها إمبراطورية سوريالية من السلطة والمال، قلما داناه فيها أي مسؤول سوري.

والحقيقة أن رصيد “علي دوبا” الكبير لدى حافظ، لايعود كما يتخيل كثيرون إلى تعاونه مع الأخير في انقلاب “الحركة التصحيحة”، ولا إلى وقوفه في صف حافظ عندما تصارع مع أخيه “رفعت”، بل هو سابق على ذلك بسنوات، وراجع إلى مفصل حساس للغاية كان ولا زال لغزا عصي الحل، ونعني به زيارة حافظ الأسد إلى بريطانيا.

ففي أواسط عام 1965 قام حافظ الأسد (كان برتبة لواء وقائدا للقوى الجوية) بزيارة إلى بريطانيا ما تزال غامضة المعالم والأهداف، رغم كثرة ما كتب حولها، وقد تمت هذه الزيارة في وقت كان “علي دوبا” يشغل منصب الملحق العسكري في سفارة سوريا بلندن؛ ما يعني أن تنسيق هذه الزيارة تم بمعرفة “دوبا” شخصيا، وأنه كان مطلعا على تفاصيلها وأسرارها.. وعليه، لم يكن غربيا أن يصبح “دوبا” صاحب الحظوة الأوفر لدى حافظ، والمسؤول الاستثناء الذي يملك سلطة التواصل المباشر مع حافظ في أي وقت.

• تطبيق قاعدة “السلطة لاتقبل القسمة أبدا” ضمن لحافظ وأولاده البقاء في الحكم.

وقد لعب “علي دوبا” بكل أوراق الصلاحيات التي وُضعت بين يديه، وأطلق العنان لاحقا لأبنائه وأقاربه كي يضربوا بسيفه، ففعلوا كما يفعل مزارع بمزرعته، وكان كل ذلك بعلم حافظ وتحت نظره، ولكنه كان يتغاضى عنه لسببين، الأول: عظم الخدمات التي قدمها له “دوبا” والأسرار التي يكتمها، والثاني وهو السبب الرئيس: أن صعود “دوبا” لم يكن يشكل خطرا على موقع حافظ في الدولة، ولا داخل الطائفة، ولكن حينما دنت ساعة الرحيل وأيقن حافظ أنه سيصبح “موروثا” ولابد له من “وريث” وهذا الوريث ليس على مستوى “قوة” أبيه، كانت أهم وأخطر خطوة له هي إزاحة “علي دوبا”.

وبالفعل تمت تنحية “علي دوبا” وإحالته إلى التقاعد، في وقت كان الجميع يعتقدون أنه عصي على الإزاحة، بسبب موقعه في الطائفة وفي هرم السلطة، وفي وقت تم فيه الاحتفاظ بمسؤولين كبار للغاية من خارج الطائفة، مثل: مصطفى طلاس، عبدالحليم خدام؛ ليتضح للسوريين وبلسان الحال القاطع من هو حقا المسؤول الجامح، وصاحب السلطة الحقيقية، ومن هو المسؤول الطيع المطيع الذي يكتفي من فتات منصبه بالدور المرسوم له.

*خريفان
تقاطعت مسيرة “حافظ الأسد” و”علي دوبا” في أماكن ومراحل كثيرة سلطويا، وحتى أسريا، فولداهما الأكبران (باسل ومحمد) من نفس العمر تقريبا، ولا يفصل بين ميلادهما سوى سنة واحدة، وكلاهما (باسل ومحمد) نشآ في كنف والدين يملكان فائضا هائلا من السلطة والأحلام بدوام السلطة، لايمكن لحياة قصيرة –مهما طالت- أن تستوعبه، وعليه فلا مناص من “الوريث”، ولن يكون هناك أنسب من الابن الأكبر للعب هذا الدور.

وعلى هذا الأساس كبر باسل ومحمد، وترافقا، وتشبعا شهوة السلطة كما يتشبع بشهوة الفتك ذئب صغير وهو يرى نشوة والده بالصيد ونهش لحم الضحية، وصار باسل ومحمد قرينان إلى أن لقي الأول مصرعه في حادث سير مطلع 1994.

وإذ ذاك لم يكن غريبا، أن يكون “محمد دوبا” في صف واحد مع بشار وماهر الأسد في تقبل التعازي بوفاة باسل، متقدما –أي محمد دوبا- حتى على أولاد عمومة المتوفى وأقاربه.

ولكن تمهيد الطريق لتوريث بشار كان يستدعي قصقصة جوانح “علي دوبا”، ووضع حد لأسطورته التي جعلته ندا لحافظ الأسد، بل وأحيانا متفوقا عليه، لاسيما أن قلة قليلة فقط من يعرفون وجهه، ويكتفون بسماع صيته واسمه تاركين لمخيلاتهم رسم صور وهيئات شتى، تجتمع فيها كل صفات الجبروت والقسوة.

• قدم “علي دوبا” خدمات لاتحصى لحافظ الأسد، لكن أبرزها تلك المتعلقة بحفظ أسرار زيارة بريطانيا.

وكان من لوازم إزاحة “دوبا” فتح ملفاته وملفات ابنه القديمة، وتقديم كشف حساب واف بمختلف أنواع التجاوزات وإساءة استخدام السلطة، والتي كانت تجري بعلم ورضا حافظ الأسد وأولاده ردحا طويلا من الزمن، ولكنها فتحت على أعتاب توريث بشار، وكأنها حدثت بالأمس أو قبله، ولم يكن لـ”القيادة” علم بها!

ومن هنا لم يتأخر بشار وهو يزيح “علي دوبا” من طريقه في إصدار أوامره باعتقال “محمد دوبا” وزجه في سجن المزة العسكري بذريعة محاربة فساده العريض، وتورطه في تهريب وترويج الممنوعات، وفي مقدمتها المخدرات.

وقد كانت إزاحته شخصيا واعتقال ابنه الأكبر بمثابة صفعة قوية ومزدوجة على وجه “علي دوبا” أعادت له صوابه، وذكرته بحدوده التي لا يمكن أن يتخطاها، فانزوى الرجل في قصره بـ”قرفيص” في ريف جبلة، ليعيش خريف السلطة والعمر معا (عمره الآن 85)، ويعيش فوقها همّ عجزه عن تخليص ابنه الأكبر من سجون كان يوما يديرها ويتحكم بمصائر نزلائها.. وعجزه عن انتزاعه براثن شخص كان يناديه يوما ما “عمو”!

Advertisements