تخطى إلى المحتوى

رعي الطيور لإنقاذ البشر.. طائر آلي يتنبأ بحركة الأسراب للحد من اصطدام الطيور بالطائرات

٢٠١٨١٠٢٤ ٢٠٣٢٤١

على مرِّ عقود من الزمان، كان الطيَّارون يشتبكون مع عدو مميت غير متوقع: الطيور. وإلى جانب تهديد حياة كل من على متن الطائرة، يتسبَّب اصطدام الطيور بالطائرات بأضرار بقيمة مليار دولار سنوياً، وعدد لا يحصى من التأخيرات في الرحلات الجوية، والتوتر من مسؤولي الطيران حول العالم.

وصحيحٌ أنَّ الطيور ضئيلة الحجم مُقارنةً بالطائرات، لكن يمكنها التسبب في أضرار جسيمة؛ إذ أدَّى اصطدامها بالطائرات قبل الإقلاع وقبل الهبوط إلى 15 حالة وفاة بشرية مسجلة في المجال الجوي للولايات المتحدة، في الفترة بين عامي 1990 و2008. ولم يُفلح تأجير الرماة المهرة، وتدريب الصقور الجوالة في إخلاء المناطق المحيطة بالمطارات من الطيور في إحداث فارق ملحوظ؛ إذ وثَّقت إدارة الطيران الفيدرالية 138257 حادثة اصطدام بين طائرة وطائر في الفترة بين عامي 1990 و2013 في المجال الجوي الأميركي فقط، وألحق 10% من هذه الحوادث أضراراً بطائرات مدنية.

رعي الطيور.. فكرة رائدة لتحويل مسارها
لكنَّ المهندسين في معهد كاليفورنيا للتقنية طوَّروا حلاً مبتكراً يتمثل في خوارزمية طائرة ذاتية القيادة، يمكنها تحويل مسار أسراب الطيور بعيداً عن المجال الجوي للطائرات. وتطلَّبت الدراسة التي قادها أستاذ الطيران والفضاء سون جو تشونغ، ونُشرت في الشهر الماضي، أغسطس/آب، في مجلة IEEE Transactions on Robotics العلمية الأميركية، خطوة أولى بالغة الأهمية، ألا وهي معرفة طريقة طيران الأسراب، بداية من معرفة كيفية تواصلها، وطيرانها في تشكيلاتٍ مثالية، وحتى كيفية استجابتها للتهديدات (وتلك أهم نقطة).

فالطيور تتناقل المعلومات كالموجات
اكتشف الفريق بضعة أفكار رئيسية: أولاً، الأسراب ليس لديها نظام تواصل مركزي، إذ قال تشونغ لصحيفة The Daily Beast الأميركية، إن كل طائر يوصل رسائل للطيور المجاورة له مباشرةً، ما يعني أن «المعلومات تتناقل كالموجات».

وأضاف أنَّ الفصائل المختلفة من الطيور تستجيب للتهديدات على مسافات مختلفة. فعلى سبيل المثال، غيَّرت أسراب طيور البلشون مسارها، عندما كانت هناك طائرة ذاتية القيادة على بعد 20 متراً من أقرب طائر في السرب، بينما لم تُظهر أسراب البط الغواص أية ردة فعل حتى اقتربت الطائرة إلى مسافة أقرب بكثير بلغت نحو 10 أمتار.
وعند الخطر تُصاب بالذعر وتتفرق

ثانياً، يُعَد تأثير نظام التواصل المضبوط بإحكام محدوداً، فإذا شعرت الطيور بتهديدٍ يسير بسرعة كبيرة، أو على مسافة قريبة منها، تُصاب بالذعر وتتفرق، مما يجعل سلوكها غير متوقع، وغير قابلة للتحكم. وقال تشونغ إن كل هذه المعلومات كانت حيوية في بناء خوارزمية الطائر الآلية.

وأوضح: «إذا استطعت معرفة كيف يستجيب هذا السرب، ومعرفة سرعته وكيفية تغيير اتجاهه، يمكنك استخدام هذه المعلومات في الراعي». والراعي هو الاسم الذي أطلقه الفريق على الطائر الآلي.
والآن استنسخ هذه المعلومات في خوارزمية ذكية
وهذا تماماً ما فعله معهد كاليفورنيا، فحالما فهم الفريق الحركة السربية للطيور، وسلوكها في الاستجابة للتهديدات، استنسخها في نموذج حسابي. وساعدت الخوارزمية الناتجة التي تستخدم لقطات مصورة من كاميرا أو بيانات رادار طيران أكثر تعقيداً لتعقُّب الأخطار القادمة في الوصول إلى التوازن المثالي.

إذ يطير الطائر الآلي بالقرب من الطيور بما يكفي، لتتمكن من الشعور بالتهديد وتغيير مسارها، ولكنَّ ليس قريباً للدرجة التي تخيف الطيور وتجعلها تتفرق. يعمل هذا الطائر الآلي جيداً حتى الآن. وسافر تشونغ وفريقه إلى مدينة دايجون في كوريا الجنوبية، في إطار الدراسة التي أُجريت في الشهر الماضي، لاختبار مدى نجاح طائر آلي تحت قيادة الخوارزمية في إبعاد أسراب البلشون المحلية والبط الغواص عن منطقة مُصنَّفة على أنَّها آمنة. وقال تشونغ إنها نجحت في إبعاد البلشون والبط الغواص. وإذا أمكن تكرار هذا النجاح في المطارات في مختلف أنحاء العالم، قد تكون النتائج هائلة.

الفكرة بدأت بعد حادثة طائرة نهر هادسون
تفتَّق ذهن تشونغ عن فكرة هذا المشروع، بعد حادثةٍ وقعت في يناير/كانون الثاني من عام 2009. اصطدم وقتها سرب من الإوز الكندي، بطائرة تابعة للخطوط الجوية الأميركية، بعد وقت قليل من إقلاعها من مطار لاغوارديا بولاية نيويورك، مما دمر المحرك، وأجبر الطيار تشيسلي سولينبيرغر الشهير بسولي على الهبوط اضطرارياً على نهر هدسون. أنتجت هوليود فيلماً عن الحادثة المذهلة من بطولة توم هانكس عام 2016 لتخلّد بطولة الطيار Sully.

فعمدت السلطات إلى قتل الطيور وبيوضها
لم يمُت آنذاك أي شخصٍ من رُكَّاب الطائرة، ولكن بعد نحو 6 أشهر من الواقعة التي أُطلِق عليها «معجزة نهر هدسون»، قبض المسؤولون على 1235 إوزة كندية وقتلوها بالغاز، وخنقوا 1739 بيضة من بيضها بالدخان. وفي السنوات التي أعقبت الحادثة، حاول مسؤولو إدارة الطيران الفيدرالية إبعاد الطيور عن المطارات، لكنَّهم فشلوا. وقال تشونغ، إنَّ هناك مشكلات حقيقية في الأساليب الحالية لإبعاد الطيور عن الطائرات. وأوضح أنَّ الرماة ينجحون في إبعاد أحد الأسراب لوقت معين، لكنَّ «الطيور ذكية للغاية، فحالما يرحل الرامي تميل للعودة إلى المطار».

حتى الصقور المدرَّبة فشلت في إبعاد الطيور
وأضاف تشونغ أنَّ الأسلوب الأفضل هو استخدام الصقور الجوالة المُدرَّبة، ولكن هذه الصقور ما زالت تتطلب مدربين للتعامل معها، بالإضافة إلى أنَّها غير قابلةً للتوقع تماماً على عكس الإنسان أو الخوارزمية. وثمة حلٌّ مناسب آخر يتمثل في الطائرات ذاتية القيادة، التي تعمل بتوجيه بشري. ولكن هذا يتطلب مستوى عالياً من مهارات القيادة والالتزام طوال ساعات اليوم.

والخوارزمية الجديدة تجمع كل هذه الخبرات لتصل إلى حل
تُعد خوارزمية معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا هي المحاولة الأولى لمزج أفضل ما في كل هذه الأساليب؛ إذ يمكن التحكم بها، وتوقعها، ويمكنها العمل باستمرار دون الحاجة إلى تدخل بشري. بيد أنَّ هذه الطيور الآلية لن تتوافر في المطارات قريباً، فعلى الأغلب ستكون هناك بيروقراطية فيدرالية شديدة، إلى جانب عوائق الدمج بين هذه التقنية وأنظمة المراقبة الموجودة حالياً.

التكنولوجيا الجديدة ما زالت تواجه بعض التحديات
وقال تشونغ: «الخوارزمية جاهزة للتطبيق في المطارات»، ولكن لبدء العمل بها ستضطر المطارات أيضاً إلى تثبيت منصات تربط بين الطيور الآلية وأجهزة اكتشاف الطيور؛ لذا يعمل فريقه في معهد كاليفورنيا على حل هذه المشكلات. ويعمل أيضاً على نشر هذه الطيور الآلية فوق كروم العنب المزروعة لصناعة النبيذ، التي تواجه مشكلة كبيرة مع الطيور أيضاً، ولكن لا يوجد لديها نظام صارم يمنعها.

ولكنها أفضل أمل لمنع مجازر الطيور والبشر وتعايشها بسلام مع الطائرات
ربما تكون خوارزمية تشونغ هي أفضل أمل لتعايش الطائرات والطيور، حتى لو لم تستخدم في توجيه طائرات ذاتية القيادة. إذ يمكن لقدرتها على توقع حركة أسراب الطيور عند شعورها بتهديدات أن تساعد البشر الذين يقودون طائرات آلية بالتحكم عن بعد أيضاً، وبهذا تنقذ حياة ركاب الطائرات والطيور المحلقة في فضائها المعتاد.

Advertisements